محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
217
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ذات اليمين ، ويكثر عندك ذات الشمال ؛ ليعدل بك عن حسن الظنّ باللّه ورسوله إلى سوء الظنّ باللّه ورسوله ، فاحذر هذا الباب ؛ فقد أخذ منه كثير من الزهّاد والعبّاد ، وأهل الجدّ والاجتهاد ؛ ولذلك قلّ أن تجد الزاهد والعابد إلا مكمودا « 1 » حزينا ؛ لأنه علم أن اللّه تعالى طالبه بالعبودية ، وحمّله أعباءها ، وألزمه ما أشفقت السماوات والأرض والجبال من حمله ، قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : 72 ] فعاين الزهّاد ثقل ما حمّلوا ، ولم ينفذوا إلى شهود لطف الحامل للأثقال عن عباده المتوكلين عليه ، فلذلك لزمهم الكمد واستولى عليهم الحزن . وأهل المعرفة باللّه علموا أنهم حملوا من التكاليف أمرا عظيما ، وعلموا ضعفهم عن حمله ، والقيام به متى وكلوا إلى نفوسهم ، قال اللّه عزّ وجلّ : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] ، وعلموا أنهم إذا رجعوا إلى اللّه تعالى حمل عنهم ما حمّلهم ، قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] فرجعوا إليه بصدق اللجاء فحمل عنهم الأثقال ، فساروا إلى اللّه محمولين في محفّات المنن « 2 » ، تروّح عليهم بنفحات اللطف ، والآخرون ساروا إلى اللّه حاملين لأثقال التكاليف فتلازمهم المشقّات ، وتطول بهم المسافات ، فإن شاء أدركهم بلطفه ، فأخذ بأيديهم من شهود معاملتهم إلى شهود سابق توفيقه لهم ، فطابت لهم الأوقات ، وأشرقت فيهم العرفات . وأما القسم الثالث : وهم الذين أمدّهم اللّه تعالى بشهود ما منّ اللّه إلى اللّه ، هؤلاء هم أهل التوحيد ، والداخلون في ميدان التفريد . وأما القسم الأول : وهم الذين غلب عليهم شهود ما منّهم إلى اللّه لم يخرجوا عن باطن الشرك ، وإن خرجوا عن ظاهره ، لأنهم أقبلوا على أنفسهم موبّخين لها ، شاهدين لتقصيرهم وإساءتهم ، فلو لم يشهدوا الفعل لها أو منها ما توجّهوا لها بالتوبيخ إذا قصرت ، فلذلك قال ذلك العارف الذي سبق قوله : ( لا يخلو شهود التقصير من الشرك في التقدير ) . فإن قلت : إذا كان توبيخ النفس وذمّها يستلزم دقيقة الشرك ، فكيف نصنع واللّه تعالى قد ذمّ النفس وأمرنا بتوبيخها إذا قصرت ، ووبخها هو إذا كانت كذلك ؟ فالجواب : أنّ ذمها ، لأن اللّه تعالى أمرك بذمّها من غير أن تشهد لها قدرة أو تضيف إليها فعلا ، فلا تراها هي الفاعلة له .
--> ( 1 ) الكمد : الحزن المكتوم ، والحزن الشديد . ( 2 ) محفات : ( ج ) محفة : ما يحمل عليه المريض . المنن : ( ج ) منّة : الإحسان والإنعام .